هوامش

هَلْ نَفْتَقِدُهُمْ… أَمْ نَفْتَقِدُ مَنْ كُنّا مَعَهُمْ؟

مالك أيوب

عَنِ العَوْدَةِ بَعْدَ الاِخْتِفاء، وَالفَرْقِ بَيْنَ التَّسامُحِ وَاِسْتِعادَةِ مَن آذانا، وَمَتى يَكُونُ إِغْلاقُ البابِ وَفاءً لِمَن بَقِيَ في الدّاخِل.

· 5 دقيقة قراءة

بعض الناس لا يدخلون حياتنا في وقتٍ عادي.

يأتون ونحن في الفوضى.
حين لا نعرف تمامًا إلى أين نمضي، وحين تكون علاقتنا بأنفسنا مرتبكة، وحين نحتاج — ولو لم نعترف بذلك — إلى شيءٍ صغير يقول لنا إننا ما زلنا نستحق أن يختارنا أحد.

ثم يأتي شخص.
لا يصلح حياتنا.
ولا يملك إجاباتٍ كبيرة.
لكنه يبقى قليلًا.
يسأل.
ينتبه.
ينتظر رسالتنا.
يضحك على أشياء لا تضحك أحدًا غيرنا.
ويرانا في وقتٍ لم نكن نحن أنفسنا نعرف كيف نرى فيه شيئًا جميلًا فينا.

فنقترب.

ولا نعرف بعد ذلك ماذا نسمّي ما حدث.
هل كان حبًّا؟
أم اعتيادًا؟
أم أنَّنا أحببنا، في الحقيقة، ذلك الشعور النادر بأنَّ شخصًا ما قد يحبّنا لمجرّد أنَّنا نحن؟

ثم يتغيّر شيء.

تقلّ الأسئلة.
تقصر الرسائل.
يصبح الحضور واجبًا ثقيلًا.
ويتوقّف عن الاهتمام بنفسه، وبك، وبذلك الشيء الذي كان بينكما.

تبدأ أنت بالبحث عن الشخص الذي عرفته في البداية داخل الشخص الموجود أمامك الآن.
وتجد له الأعذار.
متعب.
يمرّ بظرفٍ صعب.
ربما يحتاج إلى مساحة.
ربما الحبّ يتغيّر بعد البدايات.

وتبقى.
ليس لأنك سعيد.
بل لأنك رأيت نسخةً منه تعرف أنها كانت قادرةً يومًا على أن تجعلك سعيدًا.

ثم ينسحب.
ويتركك مع سؤالٍ مؤلم:
كيف يستطيع شخصٌ أن يجعل نفسه جزءًا من تفاصيل يومك، ثم يتصرّف كأن غيابه تفصيلٌ صغير؟

تتعلّم بصعوبة أن تعيش من دونه.

ثم يعود.

وقد لا يحتاج إلى كثيرٍ كي يفتح الباب القديم.
رسالة.
اعتذار.
«اشتقت لك.»
أو ذلك النوع من الكلمات الذي يصل مباشرةً إلى الجزء منك الذي لم يغلق الحكاية تمامًا.

فتعطيه فرصةً أخرى.
ليس لأنك نسيت.
بل لأنك تتمنى أن تكون المرّة الأولى خطأً، لا طبعًا.
تريد أن تصدّق أن الإنسان الذي عرفته في البداية كان الحقيقي، وأن الذي آذاك كان مجرد نسخةٍ ضائعة منه.

ثم يحدث الأمر مرةً أخرى.
ربما بطريقةٍ مختلفة.
لكن النتيجة نفسها:
أنت تحاول أن تفهم،
وهو يختفي.

وهنا يصبح السؤال:
إذا عاد مرّةً ثالثة، هل أفتح الباب؟

لا أعرف إن كان هناك جوابٌ يصلح لكل الناس.
فالناس يتغيّرون فعلًا.
ويخطئون.
وبعض العلاقات تستحق فرصةً ثانية.

لكن الفرصة الثانية ليست وعدًا بفرصةٍ ثالثة.

والتسامح لا يعني إعادة منح الإنسان المكان نفسه الذي استطاع أن يؤذيك منه.
يمكنك أن تفهم ظروفه دون أن تجعل نفسك ضحيّتها مرةً أخرى.
يمكنك أن تسامحه دون أن تستعيده.
ويمكنك أن تظل تحمل له شيئًا في قلبك، وأن تعرف في الوقت نفسه أن قلبك ليس سببًا كافيًا لفتح الباب.

لأن السؤال، بعد مرّتين، ربما لم يعد:
هل ما زال يحبّني؟
بل:
ماذا فعل بهذا الحبّ حين كان يملكه؟

ولا تسأل فقط إن كان قد تغيّر.
اسأل أيضًا:
ماذا تغيّر هذه المرّة، غير أنه عاد؟

فالاعتذار كلام.
والحنين شعور.
والعودة حدث.
أمّا التغيير…
فله سلوكٌ يمكن رؤيته مع الوقت.

وربما أصعب ما علينا قبوله أن بعض الأشخاص الذين أحببناهم بصدق لا يصلحون، رغم ذلك، أن يكونوا قريبين منّا.
ليس لأن كل ما كان بيننا كذب.
بل لأن الشيء الجميل الذي حدث في البداية لا يستطيع وحده أن يمحو ما حدث بعده.

لذلك، إذا عاد يومًا وطرق الباب، لا تسأل قلبك وحده إن كان ما زال يشتاق.
اسأل الجزء منك الذي اضطر مرتين أن يتعلّم كيف يعيش بعد اختفائه.

فأحيانًا، لا يكون إغلاق الباب قسوةً على مَن عاد.
يكون وفاءً لمَن بقي في الداخل كلَّ مرةٍ يجمع نفسه من جديد.

— مالك أيوب

هامشٌ آخَر قد يَعْنيكَ