في كلِّ بيتٍ تقريبًا، هناك شخصٌ يعرف أشياء لا يعرفها أحد.
يعرف كيف تحبُّ أمُّه القهوة، وأيَّ دواءٍ يأخذه أبوه بعد العشاء، ولماذا لا تُفتح نافذةُ الغرفة في الشتاء.
يعرف أين وُضعت الأوراق القديمة، ومَن صاحبُ الصورة المعلَّقة في الممرّ، ولماذا تحتفظ العائلة بمفتاحٍ لم يعد يفتح بابًا.
هذه التفاصيل لا تبدو مهمَّةً حين يكون أصحابها موجودين.
لا نسأل عنها.
نؤجِّل السؤال.
ونظنُّ أنَّ هناك وقتًا طويلًا لمعرفة الحكاية.
ثم يأتي يومٌ نبحث فيه عن إجابةٍ بسيطة، فنكتشف أنَّ الشخص الوحيد الذي كان يعرفها لم يعد هنا.
نفتح درجًا قديمًا.
نجد رسالةً بلا تاريخ.
صورةً لأشخاصٍ لا نعرف أسماءهم.
ورقةً كُتب عليها رقم هاتفٍ لم يعد يعمل.
نحاول أن نفهم لماذا احتفظ أحدهم بهذه الأشياء كلَّ تلك السنوات.
ولا نجد مَن نسأله.
الغريب في الغياب أنَّه لا يأخذ الإنسان وحده.
يأخذ معه طريقته في رؤية البيت.
الأسماء التي كان ينادي بها الناس.
القصص التي كان يكرِّرها حتى مللنا سماعها.
والتفاصيل التي لم نكن نعرف أنَّها تحتاج إلى ذاكرةٍ كي تبقى.
ربما لهذا تتغيَّر الأشياء بعد رحيل أصحابها.
يبقى الكرسيُّ كرسيًّا، لكنَّه لا يعود المكان نفسه.
ويبقى الطبق في الخزانة، لكنَّ أحدًا لا يستخدمه بالطريقة ذاتها.
وتبقى الساعة معلَّقةً على الحائط، وإن كان الشخص الذي اعتاد أن يضبطها قد غاب.
أحيانًا نفكِّر في الراحلين من خلال الأحداث الكبيرة.
آخر لقاء.
آخر مكالمة.
الكلمات التي تمنَّينا لو قلناها.
لكنَّ ما نفتقده لاحقًا قد يكون أصغر بكثير.
صوتُ الملعقة في كوب الشاي.
طريقةُ أحدهم في إغلاق الباب.
سؤالٌ يتكرَّر كلَّ مساء: «أكلت؟»
أو صوتٌ من غرفةٍ أخرى ينادي اسمك دون سببٍ مهمّ.
هذه الأشياء لا تصلح عادةً لأن تُكتب في سيرةٍ ذاتية.
لكنَّها، على نحوٍ غريب، هي ما يجعل الإنسان حاضرًا في حياتنا.
وقد يكون من المؤلم أن ندرك أنَّنا عرفنا شخصًا لسنواتٍ طويلة، دون أن نسأله عن حياته قبل أن نعرفه.
كيف كان وهو صغير؟
ماذا كان يريد أن يصبح؟
مَن أحبَّ أوَّل مرَّة؟
ما الذي كان يخيفه؟
هل كان سعيدًا؟
نحن نعرف آباءنا وأمَّهاتنا غالبًا من خلال أدوارهم في حياتنا.
ننسى أنَّ لهم حياةً سبقتنا، وأحلامًا لم نكن جزءًا منها، وخيباتٍ لم يتحدَّثوا عنها.
وأنَّ الشخص الذي نراه اليوم جالسًا في مكانه المعتاد، كان يومًا شابًّا يركض خلف مستقبلٍ لا يعرف كيف سيبدو.
لا أقول إنَّ علينا أن نعيش خائفين من الفقد.
فهذا سيجعل الحياة أثقل مما تحتمل.
لكن ربما يجدر بنا أن نكون أكثر فضولًا تجاه مَن نحبّ.
أن نسأل عن الصور القديمة.
أن نصغي إلى الحكاية التي سمعناها عشر مرَّات، فقد نسمع في المرَّة الحادية عشرة شيئًا لم ننتبه إليه.
أن نسجِّل صوتًا، أو نكتب وصفةً، أو نتعلَّم اسمًا، أو نسأل عن سبب الاحتفاظ بمفتاحٍ قديم.
ليس لأنَّ كلَّ شيءٍ يجب أن يُحفَظ.
بل لأنَّ بعض الأشياء، إذا ضاعت، لن يستطيع أحدٌ إعادتها.
فحين يرحل الإنسان، لا نفقد ما كان يقوله لنا فقط؛ نفقد أيضًا كلَّ ما لم يخطر ببالنا أن نسأله عنه.
— مالك أيوب