في المقهى، يجلس رجلٌ وحده.
أمامه فنجان قهوة، ونافذةٌ تطلُّ على الشارع، وهاتفٌ يضيء كلَّ بضع دقائق.
يرفعه، يتصفَّح شيئًا، يعيده إلى الطاولة.
ثم يرفعه مرَّةً أخرى.
ليس بالضرورة لأنَّ أحدًا راسله.
ربما لأنَّه لا يعرف ماذا يفعل بتلك الدقائق التي لا يحدث فيها شيء.
أصبحنا نملأ الفراغ بسرعةٍ مدهشة.
نستمع إلى شيءٍ ونحن نقود.
نشاهد شيئًا ونحن نأكل.
نتصفَّح الهاتف ونحن ننتظر المصعد.
وإذا جلسنا وحدنا في غرفةٍ هادئة، نشعر أحيانًا أنَّ علينا أن نجد شيئًا نفعله، كأنَّ الجلوس دون مهمَّةٍ تقصيرٌ لا يليق بنا.
لكنَّني أتساءل عمَّا يحدث داخل الإنسان حين لا يترك لنفسه لحظةً واحدةً بلا صوت.
في الماضي، كانت هناك أوقاتٌ صغيرة لا نستطيع الهروب منها بسهولة.
الطريق إلى العمل.
الانتظار في عيادة.
الجلوس قرب النافذة في مساءٍ طويل.
كنا نضجر، نعم.
لكنَّ الملل كان يترك لنا مساحةً غريبة.
نتذكَّر شخصًا لم نتحدَّث إليه منذ زمن.
نفكِّر في جملةٍ قالها أحدهم وأوجعتنا.
نتساءل إن كنَّا راضين عمَّا نفعله.
أو نسرح في أشياء لا فائدة واضحة منها.
اليوم، يستطيع الهاتف أن ينقذنا من معظم هذه اللحظات.
وهي خدمةٌ مريحة، بلا شكّ.
لكنَّها تطرح سؤالًا لا أحبُّ التسرُّع في الإجابة عنه:
إذا استطعنا الهروب من كلِّ لحظة فراغ، فمتى سنسمع ما يدور داخلنا؟
ليس الصمت جميلًا دائمًا.
أحيانًا يكون ثقيلًا.
قد يعيد إلينا ذكرى كنَّا نفضِّل نسيانها، أو سؤالًا لا نملك شجاعة الإجابة عنه.
وقد يكون الإنسان متعبًا إلى درجةٍ لا يريد معها سوى أن يشاهد شيئًا سخيفًا ويضحك قليلًا.
ولا أرى في ذلك عيبًا.
ليست كلُّ دقيقةٍ مطالبةً بأن تكون عميقة.
لكنَّ المشكلة تبدأ حين يصبح الانشغال المستمرُّ طريقتنا الوحيدة في التعامل مع أنفسنا.
حين لا نعود قادرين على تناول وجبةٍ دون شاشة.
أو السير عشر دقائق دون سماعات.
أو انتظار شخصٍ دون أن نفتح تطبيقًا، ثم نغلقه، ثم نفتحه من جديد.
عندها قد لا نكون نبحث عن التسلية وحدها.
ربما أصبحنا نتجنَّب شيئًا.
ففي الهدوء تظهر أحيانًا أسئلةٌ لا تجد مكانًا وسط الضجيج.
هل أحبُّ الحياة التي أعيشها؟
لماذا أؤجِّل تلك المكالمة؟
متى أصبحتُ بعيدًا عن صديقٍ كان يعرف كلَّ شيءٍ عنّي؟
وهل أنا مشغولٌ فعلًا، أم أنَّ الانشغال يساعدني على ألَّا أفكِّر؟
لا تأتي هذه الأسئلة دائمًا بإجابات.
وقد يكون بعضها عابرًا أو غير عادل.
لكنَّ مجرَّد السماح لها بالمرور يجعلنا أقرب إلى معرفة ما نشعر به، بدلًا من الاكتفاء بإسكات الشعور.
ربما لا نحتاج إلى اعتزال التكنولوجيا، ولا إلى تحويل الصمت إلى تمرينٍ يوميٍّ جديد نُحاسب أنفسنا عليه.
يكفي أحيانًا أن نشرب قهوتنا دون أن نصوِّرها.
أن نمشي قليلًا دون أن نستمع إلى أحد.
أن نترك الهاتف في جيبنا ونحن ننتظر.
ونرى ما الذي سيحدث.
قد لا يحدث شيءٌ مهمّ.
وقد نتذكَّر أمرًا نسيناه.
وقد نشعر بالملل، ثم نكتشف أنَّ الملل ليس كارثة.
فليس كلُّ فراغٍ في يومنا يحتاج إلى شيءٍ يملؤه؛ بعضُ الفراغ نحتاجه كي نجد لأنفسنا مكانًا.
— مالك أيوب