الاشتياق شعورٌ غريب.
يستطيع أن يعيد إنسانًا كاملًا إلى ذاكرتك، ثم يحذف بهدوء كلَّ الأسباب التي جعلتك تبتعد عنه.
تتذكّر ضحكته.
حديثًا طويلًا في آخر الليل.
مكانًا جلستما فيه.
تفصيلًا صغيرًا لم يكن يعني شيئًا يومها، وصار يعني الكثير الآن.
ولا تتذكّر، بالوضوح نفسه، كم كنت تتعب.
الذاكرة لا تكذب دائمًا، لكنها أحيانًا تنتقي.
تُبقي اللحظات التي أحببناها، وتترك الألم يفقد حدّته مع الوقت.
ولهذا قد نشتاق إلى شخصٍ ونحن نعرف، في مكانٍ أكثر هدوءًا داخلنا، أن وجوده في حياتنا لم يكن جيدًا لنا.
وهنا نرتبك.
لأننا تعلّمنا أن الاشتياق يعني أن شيئًا ما لم ينتهِ.
وأن التفكير في شخصٍ بعد رحيله دليلٌ على أننا ما زلنا نريده.
لكن ربما ليس الأمر كذلك.
قد تفتقد إنسانًا ولا تريد عودته.
قد تحبّ شيئًا كان بينكما، وتعرف أن ما كان حوله لم يعد يحتمل.
وقد تحزن على نهاية علاقةٍ كنت أنت مَن اختار إنهاءها.
لا تناقض في ذلك.
فنحن لا نفقد الأشخاص وحدهم.
نفقد معهم عاداتٍ كاملة.
رسالة الصباح.
المكان المعتاد.
النكتة التي لا يفهمها أحد غيركما.
الشخص الذي كنت تخبره بتفاصيل يومك قبل أن تصبح التفاصيل أخبارًا قديمة.
وأحيانًا، ما نفتقده ليس الإنسان نفسه.
بل النسخة التي كنّا عليها حين كان موجودًا.
أو المستقبل الذي تخيّلناه معه ولم يحدث.
أو شعور أن هناك شخصًا في العالم يعرف أين نحن من دون أن نشرح كثيرًا.
لهذا، ليس كل اشتياق دعوةً للعودة.
بعضه مجرد حزنٍ متأخر على شيءٍ كان جميلًا، لكنه لم يكن قادرًا على البقاء جميلًا.
ويمكن للإنسان أن يحترم ما كان، من دون أن يعيده إلى حياته.
أن يقول:
نعم، أحببتك.
نعم، أفتقد بعض ما كان بيننا.
ونعم، ما زلت أعرف لماذا رحلت.
ربما النضج ليس أن نتوقف عن الاشتياق.
بل أن نتعلّم ألّا نتخذ كلَّ شعورٍ أمرًا يجب تنفيذه.
فالقلب يستطيع أن يحنّ إلى بابٍ…
يعرف العقل تمامًا لماذا أغلقه.
— مالك أيوب