هوامش

لِماذا نُعامِلُ أَقْرَبَ النّاسِ إِلَيْنا بِأَقَلِّ لُطْفِنا؟

مالك أيوب

عَنِ العِلاقاتِ الآمِنَة، وَكَيْفَ تَتَآكَلُ بِأَشْياءَ صَغِيرَة، وَلِماذا يَحْتاجُ مَن يُحِبُّنا أَنْ يَشْعُرَ بِذَلِكَ أَيْضًا.

· 4 دقيقة قراءة

هناك مفارقةٌ صغيرة تحدث في بيوتٍ كثيرة.

نعتذر من الغريب إذا تأخّرنا عليه خمس دقائق،
ثم نعود إلى البيت فنرفع أصواتنا على شخصٍ انتظرنا طوال اليوم.

نختار كلماتنا بعنايةٍ مع زميل العمل.
نبتسم للبائع.
نشكر النادل.
نكتب رسالةً مهذّبةً لشخصٍ لن نراه مرةً أخرى.

ثم، مع الذين نحبّهم، نقول:
«هو يعرفني.»

وكأنَّ المعرفة تُعفينا من اللطف.

ربما لأن العلاقات الآمنة تمنحنا امتيازًا خطيرًا:
أن نكون على طبيعتنا.
لكننا نخلط أحيانًا بين أن نكون على طبيعتنا، وبين أن نعطي الآخرين النسخة التي لم نعد نملك طاقةً لتهذيبها.

نقضي النهار نوزّع صبرنا في الخارج.
جزءًا للمدير.
وجزءًا للزملاء.
وجزءًا للزحام.
وجزءًا لكل شخصٍ اضطررنا أن نبتسم له ونحن لا نريد.

ثم نصل إلى مَن نحبّ، وقد فرغت الجيوب.
فيأخذون ما بقي.

ليس لأنهم الأقل أهمية.
بل لأننا نعتقد، في مكانٍ ما داخلنا، أنهم الأكثر احتمالًا.

الغريب لن يحتمل حدّتنا، فنضبط أنفسنا.
أمّا الذي يحبّنا؟
سيَفهم.
سيَسامح.
سيبقى.

وهذه كلمةٌ خطيرة:
سيبقى.

فبعض العلاقات لا تنتهي بسبب خيانةٍ كبيرة، أو شجارٍ واحد، أو حدثٍ نستطيع تحديد تاريخه.
بعضها يتآكل بأشياء صغيرة جدًا.
نبرة.
تجاهل.
عينان لا ترتفعان عن الهاتف حين يتحدث الآخر.
«ليس الآن.»
«ماذا تريد أيضًا؟»

وألف لحظةٍ عابرة، لا تبدو أيٌّ منها كافيةً لتدمير علاقة، لكنها حين تجتمع تغيّر شعور الإنسان داخلها.

ربما لا يحتاج أقرب الناس إلينا أن نعاملهم طوال الوقت كما نعامل الغرباء.
القرب الحقيقي أكثر فوضى من ذلك.
سنغضب.
سنختلف.
سنكون متعبين.
وسيرى مَن نحبّ جوانب منّا لا يراها أحد.

لكن الألفة لا ينبغي أن تتحول إلى تصريحٍ دائم بالإهمال.

فالإنسان الذي يعرف أنك تحبّه…
ما زال يحتاج أحيانًا أن يشعر بذلك.

والذي تعرف أنه لن يغادر بسهولة…
ليس من العدل أن يكون هو الشخص الذي تختبر معه إلى أيّ حدّ يستطيع البقاء.

ربما علينا، من وقتٍ إلى آخر، أن نوفر شيئًا من أفضل ما فينا للبيت.
قليلًا من الصبر.
قليلًا من الإصغاء.
وكلمة «شكرًا» على شيءٍ اعتدنا وجوده حتى نسينا أنه ليس واجبًا.

فالمحبّة لا تموت دائمًا عندما نتوقف عن الشعور بها.
أحيانًا، تتعب فقط…
حين نتوقف عن معاملتها كشيءٍ يمكن أن نخسره.

— مالك أيوب

هامشٌ آخَر قد يَعْنيكَ