هوامش

مَتَى أَصْبَحَ الانْشِغالُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّنا مُهِمُّون؟

مالك أيوب

عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ حَيَاةٍ مُمْتَلِئَةٍ وَحَيَاةٍ مُزْدَحِمَة، وَلِمَاذا صَارَ الانْشِغالُ دَلِيلًا عَلَى القِيمَة.

· 4 دقيقة قراءة

نسأل أحدهم:
«كيف حالك؟»
فيجيب:
«مشغول.»
وكأنها إجابة.

وكأنَّ الانشغال صار حالةً شعوريةً، وصفةً شخصيةً، وربما شهادةً صغيرةً بأن حياتنا تستحق أن تُؤخذ بجدية.

نقول إننا لم نجد وقتًا للنوم.
لم نجد وقتًا للقراءة.
لم نرَ أصدقاءنا منذ أسابيع.
نأكل ونحن نعمل، ونردّ على الرسائل ونحن نمشي، ونحمل هواتفنا حتى إلى اللحظات التي كان يفترض أن نكون فيها وحدنا.

ثم نحكي كل ذلك بشيءٍ غريب من الفخر.

ليس لأننا نحب التعب.
بل لأن العالم علّمنا، بهدوء، أن الإنسان المطلوب إنسانٌ مهم.
أن امتلاء التقويم يعني أن لنا قيمة.
أن كثرة الرسائل دليلٌ على أننا مرغوبون.
وأن وجود وقتٍ فارغ قد يعني أننا لا نفعل ما يكفي.

لهذا، عندما تهدأ الحياة فجأة، لا نشعر دائمًا بالراحة.
نشعر بالذنب.

نجلس ساعةً من دون عمل، فيبدأ عقلنا بإعداد قائمةٍ بالأشياء التي «كان يمكن» أن نفعلها.
نأخذ إجازةً، فنفتح البريد الإلكتروني.
نشاهد فيلمًا، ونمدّ أيدينا إلى الهاتف في منتصفه.

حتى الراحة صارت تحتاج إلى تبرير.
نقول:
«أحتاج أن أرتاح كي أعود أكثر إنتاجية.»
كأن الراحة لا تستحق مكانًا في حياتنا إلا إذا أثبتت أنها ستجعلنا نعمل أكثر لاحقًا.

لكن ماذا لو لم يكن لكل ساعةٍ وظيفة؟
ماذا لو لم يكن علينا أن نستخرج من كل يومٍ أقصى ما يستطيع تقديمه؟

ربما هناك فرقٌ بين حياةٍ ممتلئة وحياةٍ مزدحمة.

الحياة الممتلئة قد تحتوي عملًا كثيرًا، نعم.
لكن فيها أيضًا عشاءٌ طال أكثر مما ينبغي.
صديقٌ اتصل في وقتٍ غير مناسب فبقينا نتحدث.
صباحٌ لم يحدث فيه شيء.
طريقٌ أخذناه مشيًا مع أن السيارة كانت أسرع.
ونصف ساعةٍ ضاعت بلا فائدة، ولم يمت أحد بسببها.

أما الحياة المزدحمة، فقد تمتلئ بكل شيء…
إلا بنا.

ليس المطلوب أن نترك أعمالنا، ولا أن نتظاهر بأن المسؤوليات غير موجودة.
لكن ربما علينا أن نسأل أنفسنا، من وقتٍ إلى آخر:

هل أنا مشغول لأن حياتي تتطلّب ذلك فعلًا؟
أم لأنني لم أعد أعرف كيف أشعر بقيمتي حين لا أُنجز شيئًا؟

فإذا كانت قيمتنا تختفي كلّما توقّفنا عن العمل،
ربما لم نكن نبني حياةً طوال هذا الوقت.
ربما كنّا نبني سيرةً ذاتية.

— مالك أيوب

هامشٌ آخَر قد يَعْنيكَ