هوامش

لِماذا نَخافُ أَنْ نَبْدَأَ مِنَ الصِّفْر؟

مالك أيوب

عَنِ الخَوْفِ مِنْ أَنْ يَرانا الآخَرُونَ وَنَحْنُ نَبْدَأُ مِنْ جَدِيد، وَلِمَاذا لَيْسَتِ البِدَايَةُ الجَدِيدَةُ دَلِيلًا عَلَى الفَشَل.

· 3 دقيقة قراءة

ليست البداية من الصفر هي ما يخيفنا دائمًا.
أحيانًا، ما يخيفنا هو أن يرانا الآخرون ونحن نبدأ.

أن نترك وظيفةً يعرف الناس اسمها، لنصبح مبتدئين في شيءٍ جديد.
أن نغادر علاقةً طويلة، فنعود إلى بيتٍ فارغ.
أن ننتقل إلى بلدٍ لا يعرف فيه أحد مَن كنّا.
أن نبدأ مشروعًا صغيرًا بعد سنواتٍ من الحديث عن أحلامٍ كبيرة.
أن نتعلّم في الأربعين شيئًا كان غيرنا يتقنه في العشرين.

الصفر نفسه ليس مُهينًا.
لكننا نحمّله كلَّ الأشياء التي نظنّ أن الآخرين سيقولونها عنّا.

«بعد كل هذه السنوات؟»
«وتركت كل ذلك من أجل هذا؟»
«ألم يكن وضعك أفضل من قبل؟»

لهذا نبقى أحيانًا في أماكن انتهينا منها، لا لأن البقاء مريح، بل لأن الرحيل سيجعلنا نبدو وكأننا تراجعنا.

نخلط بين التقدّم وبين أن تبدو حياتنا دائمًا صاعدةً في خطّ مستقيم.
لكن الحياة لا تعمل بهذه الطريقة.

قد يكون الانتقال من راتبٍ مرتفع إلى دراسةٍ جديدة تراجعًا على الورق، وتقدّمًا في حياتك.
قد يبدو الخروج من علاقةٍ طويلة خسارةً، بينما يكون أول قرارٍ صادق اتخذته منذ سنوات.
وقد يكون المشروع الصغير الذي لا يثير إعجاب أحد بدايةَ شيءٍ سيغيّر شكل أيامك لاحقًا.

المشكلة أن البدايات لا تحمل أدلّتها معها.
حين تبدأ، لا تعرف إن كنت ستنجح.
لا توجد موسيقى في الخلفية تخبرك أن هذا هو القرار الذي ستشكر نفسك عليه بعد عشر سنوات.
هناك فقط أنت، وقرار، ومساحةٌ فارغة لم تتشكّل بعد.

ولهذا يبدو الصفر مخيفًا.
ليس لأنه لا يحتوي شيئًا.
بل لأنه لم يَعِدْنا بشيء.

ومع ذلك، هناك شيءٌ أكثر قسوةً من أن تبدأ من جديد:
أن تبقى سنواتٍ تحمي حياةً لم تعد تريدها، فقط لأنك أنفقت سنواتٍ في بنائها.

فالوقت الذي مضى لا يصبح أكثر قيمةً إذا أعطيته مزيدًا من الوقت.
وما بنيته بالأمس لا يجب أن يصبح سجنًا لك اليوم لمجرّد أنك تعبت في بنائه.

ربما لا نحتاج دائمًا إلى الشجاعة كي نبدأ.
أحيانًا نحتاج فقط إلى أن نتوقف عن اعتبار البداية دليلًا على الفشل.

فبعض الأشياء لا تبدأ من الصفر لأننا خسرنا كل شيء.
تبدأ من الصفر لأننا، أخيرًا، قرّرنا ألّا نكمل في الاتجاه الخطأ.

— مالك أيوب

هامشٌ آخَر قد يَعْنيكَ