هوامش

نَنْتَظِرُ الحَيَاةَ… كَأَنَّها سَتَبْدَأُ لاحِقًا

مالك أيوب

عَنِ الْأَيَّامِ الَّتِي نَعِيشُهَا كَأَنَّهَا ثَمَنٌ نَدْفَعُهُ لِلْوُصُولِ إِلَى حَيَاةٍ أَفْضَلَ، بِانْتِظَارِ أَنْ تَبْدَأَ الْحَيَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ بَعْدَ قَلِيلٍ.

· 3 دقيقة قراءة

هناك مرحلةٌ غريبة من العمر، لا نكون فيها تعساء تمامًا، ولا سعداء تمامًا.
نكون فقط… ننتظر.

ننتظر أن يتحسّن الراتب.
أن نجد البيت الأفضل.
أن نخسر بعض الوزن.
أن نسافر.
أن نتزوّج، أو ننفصل، أو نجد الشخص المناسب.
أن ننتهي من الدَّين.
أن يخفّ ضغط العمل.
أن يصبح الأطفال أكبر.
أن يأتي الصيف.
أن تبدأ السنة الجديدة.

ثم نقول لأنفسنا:
بعدها، سأعيش كما أريد.

المشكلة أنَّ «بعدها» كلمةٌ ذكيّة.
كلّما وصلنا إليها، تحرّكت قليلًا إلى الأمام.

فالراتب الذي انتظرناه يأتي، ثم ترتفع معه الحياة التي نريدها.
والبيت الذي حلمنا به يصبح، بعد أشهر، البيت الذي نعيش فيه فقط.
والشيء الذي قلنا إننا سنرتاح بعد إنجازه، يترك مكانه لشيءٍ آخر يجب إنجازه.

وهكذا، من دون أن ننتبه، قد نقضي سنواتٍ نتعامل مع أيامنا كأنّها غرفة انتظار لحياةٍ أكثر اكتمالًا.

لا أظن أن المشكلة في الطموح.
من الطبيعي أن نريد حياةً أفضل.
ومن الطبيعي أن تكون هناك أيامٌ صعبة لا نستطيع تحويلها إلى قصيدة عن الامتنان.

لكن الخطر يبدأ حين تصبح حياتنا الحالية مجرّد ثمنٍ ندفعه للوصول إلى حياةٍ أخرى.

حين نؤجّل القهوة مع شخص نحبه لأن لدينا عملًا.
ثم نؤجّل الراحة لأن لدينا هدفًا.
ثم نؤجّل السفر لأن الوقت غير مناسب.
ثم نؤجّل الأشياء الصغيرة التي تجعل اليوم يومًا، لأننا مشغولون ببناء الغد.

وفي يومٍ ما، قد نصل فعلًا إلى بعض ما أردناه.
لكننا نصل إليه بعادةٍ قديمة:
أن ننظر إلى الأمام.
فنبحث فورًا عن الشيء التالي.

ربما لهذا لا تمرّ الحياة بسرعة كما نقول.
ربما نحن الذين نمرّ بجانبها مسرعين، وعيوننا معلّقة دائمًا بما سيأتي.

لا أعرف إن كان الحل أن «نعيش اللحظة».
تبدو العبارة أجمل مما تسمح به الحياة أحيانًا.
فالإنسان لديه فواتير، ومواعيد، ومسؤوليات، وأشياء حقيقية تستحق أن يعمل من أجلها.

لكن ربما نستطيع، وسط كل ذلك، ألّا نجعل الحاضر مجرّد ممرّ.

أن نترك في اليوم شيئًا لا يخدم المستقبل.
مكالمةً لا نبني بها شبكة علاقات.
مشيةً لا نحسب خطواتها.
كتابًا لا نتعلّم منه مهارة.
جلسةً لا نصوّرها.
ساعةً لا نحاول تحويلها إلى إنجاز.

شيئًا نفعله لسببٍ بسيط جدًا:
لأننا أحياء الآن.

فنحن لا نعرف كم بقي من الطريق.
لكننا نعرف شيئًا واحدًا:
هذه الحياة التي ننتظر أن تبدأ… بدأت منذ زمن.

— مالك أيوب

هامشٌ آخَر قد يَعْنيكَ